فوزي آل سيف
61
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
الحياة الأسرية للإمام الهادي عليه السلام بحسب ما جاء في بعض الأخبار في تأويل الآية المباركة ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ فإنها نزلت في آل محمد لا في عموم الأمة كما في رواية[197]عن الإمام الرضا عليه السلام، وأن هذه الدرجات تنطبق على الأشخاص بحسب الموقف من إمامة آل محمد صلوات الله عليهم. كما روي عن أبي هاشم الجعفري عن الإمام الحسن العسكري: كلهم من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، الظالم لنفسه: الذي لا يقر بالإمام، والمقتصد: العارف بالإمام، والسابق بالخيرات بإذن الله: الإمام.[198] ومن خلال هذه الروايات سوف ننطلق في ذكر الحياة الأسرية للإمام عليه السلام بما تشتمل عليه من ذكر أولاده وأهله. زوجة الإمام: يذكر المؤرخون[199] أنه عليه السلام كان له سُرِّية[200]لا غير، وتتعدد أسماؤها لما سبق أن ذكرناه في كتاب آخر من أنها قد تكون مسماة باسمٍ قبل شرائها وقدومها لبيت الإمام، فيغير الإمام اسمها بعدما تكون في بيته، أو يكون حدث خاص ـ كولادتها للإمام التالي ـ فيغير الإمام اسمها، أو للمحافظة عليها من مراقبة السلطات كما نقل ذلك في أم الإمام المهدي عجل الله فرجه، أو لغير ذلك من الأسباب وتبقى هذه الأسماء جميعها في الروايات، فينقل الاسم متعددًا. وقد ذكر في أسمائها عليها السلام: حُديث، وسوسن، وسليل. وهذا الأخير هو الوارد في روايات تمدحها، فقد ذكر المسعودي في إثبات الوصية أنّه:" لمّا أُدخلت سليل أُمّ أبي محمّد (العسكري) على أبي الحسن (الهادي) عليهما السلام قال: سليل مسلولة من الآفات والعاهات، والأرجاس والأنجاس، ثمّ قال لها: سيهب اللّه حجّته على خلقه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا.[201] وبالإضافة لذلك فإنه يظهر علو منزلتها مما أخبرت عنه السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد وأخت الإمام الهادي من أنها عندما سئلت عن الإمام المهدي عجل الله فرجه في بداية استتاره، وسألها أحمد بن إبراهيم عن أنه: إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدّة، أُمّ أبي محمّد[202] (وهي سليل زوجة الإمام الهادي وأم العسكري وجدة المهدي) عليهم السلام. وقد أشرنا في مواضع متعددة[203] من هذه السلسلة إلى حِكَم وفوائد نكاح الأئمة عليهم السلام للجواري، بحيث يمكن القول أنه منذ زمان الإمام الكاظم وإلى آخر الأئمة المهدي عليهم السلام، كانت أمهات الأئمة من هذا الصنف.
--> 197 ) الصدوق؛ محمد بن علي بن بابويه:عيون أخبار الرضا عليه السلام١/٢٠٧ عن الريان بن الصلت قال: حضر الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ) فقالت العلماء: أراد الله عز وجل بذلك الأمة كلها فقال: المأمون: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال الرضا عليه السلام: لا أقول كما قالوا ولكني أقول: أراد الله عز وجل بذلك العترة الطاهرة فقال المأمون: وكيف عنى العترة من دون الأمة ؟ فقال له الرضا عليه السلام: انه لو أراد الأمة لكانت أجمعها في الجنة لقول الله عز وجل: ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) ثم جمعهم كلهم في الجنة فقال عز وجل: ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) الآية فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم فقال المأمون: مَن العترة الطاهرة ؟ فقال الرضا عليه السلام: الذين وصفهم الله في كتابه فقال عز وجل: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)... 198 ) الخزعلي: موسوعة الإمام العسكري ٢/٢٠٧ 199 ) اللجنة العلمية: موسوعة الإمام الهادي عليه السلام١/٥٠ 200 ) الأزهري؛ محمد بن أحمد: تهذيب اللغة2/ 203 «وَاخْتلفُوا فِي السُّرِّيّة من الإماءِ لِمَ سُمِّيتْ سُرِّيّة؟ فَقَالَ بَعضهم: نُسبَتْ إِلَى السِّرِّ وَهُوَ الْجِماع، وضُمَّت السينُ فَرْقاً بَين المَهِيرة وَبَين الْأمة تكونُ للوطْء، فَيُقَال للحُرَّة إِذا نكحَت سِرّاً: سِرِّية، وللأَمةَ يتسَّراها صاحبُها سُرِّيّة. وأخبَرَني المنذريّ عَن أبي الهَيْثم أَنه قَالَ: السُّرُّ: السُّرُورُ فسمِّيت الجاريةُ سُريّةً لِأَنَّهَا مَوضِع سُرورِ الرجل، وَهَذَا أحسنُ الْقَوْلَيْنِ». 201 ( المسعودي: إثبات الوصية ٢٤٤ 202 ) نفس المصدر ٢٧٢ 203 ) في كتاب: كاظم الغيظ: الإمام موسى بن جعفر، وكتاب عالم آل محمد: الإمام علي بن موسى الرضا، وكتاب: الأعظم بركة: الإمام الجواد.